سورية وباكستان: خط الغاز العملاق باتجاه الصين

 

لا شك أن سبب ما يحدث في سورية منذ ما يزيد عن السنتين وحتى الآن، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصالح الدولية. وسنقوم هنا بإلقاء الضوء وبوضوح على مصالح المحور المعادي لسورية والمتمثل بالولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وحلفائهم الصغار من مشايخ الممالك النفطية. ة

الناتو والغاز والمقاومة

إن مهمة تحويل سورية إلى بلد تابع لهذا المحور تنصب على رأس أولوياته، حيث لن يؤدي هذا- في حال نجاحه- إلى إضعاف وتأريض محور المقاومة الذي يتألف من الفلسطينيين وإيران ولبنان وسورية والعراق فحسب، بل سيتجاوزه إلى السيطرة على ممرات الطاقة والثروات النفطية والغازية في شرق البحر المتوسط، ومن ثم إعادة توجيهها لخدمة مصالح «إسرائيل» والناتو. إضافةً لفسح المجال أمام إقامة جسر بري بين تركيا و«إسرائيل»، الأمر الذي سيحرم إيران من التعاون مع حلفائها المشرقيين في فلسطين ولبنان. مما يعني عملياً إضعاف قدرة هؤلاء الحلفاء على مقاومة الصهاينة. حينها، سيتحول البحر المتوسط إلى ما يشبه «بحيرة» تغصّ بأساطيل الناتو، مما سيجعل الطرق الشمالية والجنوبية لنقل الطاقة في «القبضة الأطلسية. ة»

ومن المعروف أن الحوض الشرقي- الممتد من غزة إلى الإسكندرية- يحتوي على احتياطات ضخمة من الغازالطبيعي والتي كان النزاع على حقوق ملكيتها والتنقيب فيها سبباً رئيسياً لحوادث توتر إقليمية متعددة، مثل الخلاف الذي اندلع في فترة سابقة بين «إسرائيل» وكل من لبنان والفلسطينيين في غزة حول هذا الأمر والذي مازال  قائماً. ة .

استراتيجة الطاقة الأوراسية* ة

إن لكل من إيران وروسيا- صاحبتي أكبر احتياطي للغاز الطبيعي عالمياً- مصالح في هذه الاحتياطات. حيث شارك كل منهما في مشاريع لمساعدة لبنان وسورية في عمليات التنقيب وتطوير العمل في حقولهم، وفي حال تمت السيطرة على سورية أو حتى أجزاء متفرقة منها، فإن هذه الحقول والاحتياطات ستصبح خاضغة لسلطة الحلفاء الأطلسيين وبالتالي حرمان الروس والإيرانيين من العمل والاستثمار فيها، إلا أن الواقع الجيوسياسي السوري يسير بعكس تيار المصالح التركية. ة

للقد جاء الإعلان عن بناء خط الأنابيب العراقي- السوري- الإيراني، بعد الموافقة العراقية في شباط 2013 وفي سياق استراتيجية الطاقة الأوراسية ليوضّح الروابط بين كل من سورية وباكستان من جهة، والصين من جهة أخرى، والتي تتم عبر إيران.ة

إن خط الأنابيب هذا- والذي يمر بلبنان أيضاً- يهدف إلى إيصال الغاز الإيراني إلى الشواطئ الشرقية للمتوسط، ويمكن بطبيعة الحال عكس اتجاه سيره. كما أن الغاز الموجود في السواحل السورية واللبنانية- وحتى سواحل مصر وغزة- يمكن أن يُرسل شرقاً عبر الخط المذكور باتجاه باكستان ومن ثم إلى الصين.ة

وهذا يفسّر مشاريع البنية التحتية الغازية العملاقة التي تعمل عليها إيران الساعية حالياً- وبغض النظر عن احتياطاتها الهائلة من الغاز- لتصبح مركزاً دولياً لمعالجة الغاز الطبيعي وتجارته. ه

مازال العمل مستمراً منذ عدة سنوات في شرقي إيران على مشروع أنبوب إيراني- باكستاني مشترك وكان هذا المشروع في البداية مصمماً لتشارك فيه الهند أيضاً. أما بالنسبة للصين، فظاهرياً لم يكن لها أي دور فيه ولم يأت أحدٌ على ذكرها، إلا أنها كانت دائماً مو جودة. ه

 باكستان.فإذا سألنا: لماذا لم تتمكن الولايات المتحدة من إيقاف هذا المشروع ؟ فالإجابة هي: المصالح الصينية. ة

سورية وباكستان: خط الغاز العملاق باتجاه الصين

 هل تخسر أمريكا باكستان؟

إن كلاً من الولايات المتحدة والناتو، ينظران– في سياق الخطط الاستراتيجية لنقل الطاقة- إلى خط الغاز الإيراني- الباكستاني- الهندي باعتباره تهديداً جدياً لمصالحهم في منطقة أوراسيا. وكما ذكرنا سابقاً فإن هناك احتمالاً قوياً بأن تنضم الصين لهذا المشروع، وهذا من شأنه أن يضر بالمخططات الأمريكية الهادفة لاحتواء الصين وعزل إيران عبر السيطرة على إمدادات الطاقة الصينية والتلاعب في وجهة صادرات الطاقة الإيرانية. هذا وقد عرضت الصين- كسابقتيها إيران وروسيا- على باكستان المساعدة في تمويل بناء خط الأنابيب على أراضيها. ومن الجدير بالذكر أن الصينيين يعملون، ومنذ فترة، بشكلٍ غير معلن في مشاريع البنية التحتية في باكستان. ة

وتلخيصاً لما سبق، فإن كلاً من الخطين (السوري- العراقي- الإيراني)، و(الباكستاني- الإيراني) يعدّان أقساماً من خط الغاز الأوراسي العملاق. ة

يمكن اعتبار ما ناقشناه حتى الآن، بوصفه أحد الأسباب التي قام من أجلها الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات أحادية الجانب على قطاع الغاز في إيران قبيل بدء الأخيرة بتصدير غازها الطبيعي المُسال إلى الدولالأخرى. كما أنه يضيف سياقاً جديداً للصراع في سورية، حيث يَسهل من خلاله فهم خلفيات مواقف بعض الدول الساعية لإسقاط النظام السوري الحالي كقطر وتركيا. ة

النفط والغاز والحرب في شرق المتوسط

إن «اللعبة الكبيرة» تدور اليوم في سورية بين محورين، يضم الأول كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وتركيا والسعودية وقطر. أما الثاني فيتألف من روسيا والصين وإيران. إن هذه الاصطفافات تبرهن على صحة المقولة التالية: «لقد أصبح البحر المتوسط اليوم امتداداً للصراع والتنافس الدوليين الراميين للسيطرة على مصادر الطاقة الرئيسية الآسيوية- القوقازية». ة

كما أن «إسرائيل» تشارك أيضاً في هذه اللعبة حيث لا تقتصر أهدافها على تحييد سورية وعزلها عن إيران، بل تمتد إلى موضوع الغاز الطبيعي الموجود في المتوسط والذي تريد حصةً منه. ة

إن احتياطات الغاز الموجودة في المتوسطة تنتشر في مناطق عدة، منها ما لم يتم اكتشافه، ومنها ما تم اكتشافه كحقل (تامار) المُكتشف في عام 2009 والذي يقع قبالة السواحل الفلسطينية، والذي من المتوقع أن يحتوي كميات كبيرة وواعدة. إضافة لحقل (الليفياثان) المُكتشف في 2011 والذي يحوي كميات أكبر من تلك التي يحتويها- نظرياً- حقل (تامار). هذا ويقدّر مسحٌ جيولوجي أمريكي تم إجراؤه من فترة، وجود حوالي 120 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخراج في الحوض الشرقي الذي يضم يشمل سواحل لبنان وسورية وفلسطين وقبرص. ة

بالعودة إلى عام 2011، فقد وجّه حزب الله اللبناني تهديداً لـ«إسرائيل» يحذرها فيه من مغبّة التفكير بسرقة الموارد البحرية اللبنانية، أو التعرّض لعمليات استخراج النفط والغاز في المياه الإقليمية اللبنانية. وقد هدد أحد كبار مسؤولي الأمم المتحدة بالتدخل في هذا الخلاف داعياً كل من البلدين إلى التعاون في قضية الترويج للتنقيب عن الغاز والنفط في البحرالمتوسط. ة

أما تركيا، فإنها تطمح أيضاً- كحليفتها إسرائيل- لأخذ حصةٍ من غاز المتوسط، ناهيك عن رغبتها في التحكّم والسيطرة على تدفّق الغاز بحيث يعبر أراضيها. ة

هل ينجح تحييد الصين؟

إن الحرب التي شنّها حلف الناتو على ليبيا، والحصار المفروض على سورية، هما جبهتان لحرب واحدة هدفها تحييد الصينيين، والأمر ذاته ينطبق على الأزمة الداخلية التي تعيشها باكستان اليوم. ة

إن توزّع القوى العسكرية- الاقتصادية في العالم يتم بالتزامن مع النهوض الاقتصادي الذي تشهده منطقة شرق آسيا. وهذان العاملان هما- كما يعتقد باحثون- أجزاء مما يُسمى بـ(التنقلات الكبرى). ة

إن التوجه الذي تسلكه الولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، يهدف بوضوح إلى منع بكين من منافستها على مكانتها العالمية. حيث لا توفر واشنطن أي جهدٍ لإعاقة وسد ممرات الطاقة الأوراسية المتوجهة إلى الصين. أما في باكستان، فقد حققت الولايات المتحدة بعض التقدم هناك عبر تمكنها من تسعير الأزمة الداخلية والخلافات الإثنية. ه

إذا تم الانتهاء من توصيل الخطين (الإيراني- السوري- العراقي) والخط (الإيراني- الباكستاني) ومن ثم تم إيصالهما إلى الصين، فإن هذا من شأنه أن يشكّل ضربة كبيرة للتفوق الأمريكي الحالي. لذا، فإن المهمة الأساسية أمام الولايات المتحدة الآن هي منع إكمال أي من هذين الخطين. ة

إن التوتر القائم حالياً بين أمريكا وإيران حول البرنامج النووي للأخيرة، يجب أن يُنظر إليه في ضوء العرض السابق لخريطة نزاع الطاقة في المنطقة. ة

لمصدر:غلوبال ريسيرتش

ترجمة وإعداد: نور طه

الأوراسية*: اختصار يُقصد به الأوروبية – الآسيوية

إن كلاً من الولايات المتحدة والناتو ينظران إلى خط الغاز الإيراني الباكستاني الهندي باعتباره تهديداً جدياً لمصالحهم في منطقة أوراسياة


Articles Par : Mahdi Darius Nazemroaya

A propos :

An award-winning author and geopolitical analyst, Mahdi Darius Nazemroaya is the author of The Globalization of NATO (Clarity Press) and a forthcoming book The War on Libya and the Re-Colonization of Africa. He has also contributed to several other books ranging from cultural critique to international relations. He is a Sociologist and Research Associate at the Centre for Research on Globalization (CRG), a contributor at the Strategic Culture Foundation (SCF), Moscow, and a member of the Scientific Committee of Geopolitica, Italy.

Avis de non-responsabilité : Les opinions exprimées dans cet article n'engagent que le ou les auteurs. Le Centre de recherche sur la mondialisation se dégage de toute responsabilité concernant le contenu de cet article et ne sera pas tenu responsable pour des erreurs ou informations incorrectes ou inexactes.

Le Centre de recherche sur la mondialisation (CRM) accorde la permission de reproduire la version intégrale ou des extraits d'articles du site Mondialisation.ca sur des sites de médias alternatifs. La source de l'article, l'adresse url ainsi qu'un hyperlien vers l'article original du CRM doivent être indiqués. Une note de droit d'auteur (copyright) doit également être indiquée.

Pour publier des articles de Mondialisation.ca en format papier ou autre, y compris les sites Internet commerciaux, contactez: [email protected]

Mondialisation.ca contient du matériel protégé par le droit d'auteur, dont le détenteur n'a pas toujours autorisé l’utilisation. Nous mettons ce matériel à la disposition de nos lecteurs en vertu du principe "d'utilisation équitable", dans le but d'améliorer la compréhension des enjeux politiques, économiques et sociaux. Tout le matériel mis en ligne sur ce site est à but non lucratif. Il est mis à la disposition de tous ceux qui s'y intéressent dans le but de faire de la recherche ainsi qu'à des fins éducatives. Si vous désirez utiliser du matériel protégé par le droit d'auteur pour des raisons autres que "l'utilisation équitable", vous devez demander la permission au détenteur du droit d'auteur.

Contact média: [email protected]